هاشم معروف الحسني
428
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )
إن ابن العاص ومعاوية يعرفان عليا جيدا ويعلمان بأنه لا يمكن أن يقدم على العقوبة وهو يجد للعفو محلا وليس من خلقه أن يمنع الماء وهو من المباحات العامة عن أحد من المخلوقات ، ولا هو ممن يطلب النصر بالجور كما يطلبه ابن هند وأمثاله من الحاكمين ، لذلك كان ابن العاص ومعاوية على ثقة بأن عليا سيبيح لهم الماء ولو كان ذلك سببا لانتصارهم عليه . لقد حاول بعض أصحابه اقناعه بأن يقابلهم بالمثل ويعاملهم كما عاملوه ولو لفترة من الزمن فأبى عليهم أشد الإباء ، وأتاح لاخصامه الذين هددوه قبل ساعات قليلة بالموت عطشا ورود الماء أسوة بأصحابه . وهذه البادرة الكريمة وحدها تكفي أهل الشام لو كان عندهم شيء من الخلق الكريم أن يدركوا حقيقة كل من الرجلين ، وأنهم بمناصرتهم لمعاوية يناصرون الشر على الخير والباطل على الحق والطغيان على العفو والتسامح والرحمة . وبقي الجيشان على مواقفهما ينهلان من الماء على قدم المساواة ، وهو يواصل جهوده ومساعيه كعادته للسلام ويفتح لأهل الشام وقادتهم قلبه وصدره فلم يفلح في مسعاه ، هذا ومعاوية يأمرهم بسبه وشتمه ، ولما سمعهم أهل العراق سبوا معاوية وجعلوا يتراشقون بالسباب والشتائم ، فأمرهم أمير المؤمنين بالكف عن ذلك وقال : إني أكره لكم أن تكونوا قوما سبابين ، ولكنكم لو وصفتم اعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر ، وأضاف إلى ذلك : قولوا مكان سبكم : اللهم أحقن دماءنا ودماءهم واصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به . ولما استبطأ أصحابه إذنه لهم بالقتال واتهمه بعضهم بالتردد في أمر أهل الشام ، وبعض آخر بالجبن قال : فو اللّه ما أبالي أدخلت على الموت أو خرج الموت إلي ، وأما قولكم أشكا في أهل الشام : فو اللّه ما دفعت الحرب يوما إلا وأنا اطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو على ضوئي وذلك أحب إلي من